ابن قيم الجوزية
556
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأيضا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم : هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسنة . والمريد الصادق : هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة ، واللّه يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهما في كتابه وسنة رسوله يغنيه عن تقليد فهم غيره . وأما قوله - يعني الجنيد - « إذا أراد اللّه بالمريد خيرا أوقعه على الصوفية . ومنعه صحبة القراء » . فالقراء في لسانهم : هم أهل التنسك والتعبد ، سواء كانوا يقرؤون القرآن أم لا ، فالقارىء عندهم : هو الكثير التعبد والتنسك ، والذي قد قصر همته على ظاهر العبادة ، دون أرواح المعارف . ودون حقائق الإيمان ، وروح المحبة ، وأعمال القلوب ، فهمتهم كلها إلى العبادة ، ولا خبر عندهم مما عند أهل التصوف ، وأرباب القلوب وأهل المعارف . ولهذا قال من قال : طريقنا تفتّ « 1 » لا تقسّر . فسير هؤلاء : بالقلوب والأرواح ، وسير أولئك : بمجرد القوالب والأشباح ، وبين أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم : نوع تناكر وتنافر ، ولا يقدر أحدهم على صحبة النوع الآخر إلا على نوع إغضاء ، وتحميل للطبيعة ما تأباه . وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهرية الفقهاء من التنافر . ويسمونهم : أصحاب الرسوم . ويسمون أولئك : القراء . والطائفتان عندهم : أهل ظواهر ، لا أرباب حقائق . هؤلاء مع رسوم العلم . وهؤلاء مع رسوم العبادة . ثم إنهم - في أنفسهم - فريقان : صوفية وفقراء . وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء ، أو بالعكس ، أو هما سواء . على ثلاثة أقوال : فطائفة رجحت الصوفي . منهم كثير من أهل العراق . وعلى هذا صاحب العوارف ، وجعلوا نهاية الفقير : بداية الصوفي . وطائفة رجحت الفقير . وجعلوا الفقر لب التصوف وثمرته ، وهم كثير من أهل خراسان . وطائفة ثالثة قالوا : الفقر والتصوف شيء واحد . وهؤلاء هم أهل الشام . ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء وهؤلاء حتى تتبين حقيقة الفقر والتصوف . وحينئذ يعلم : هل هما حقيقة واحدة ، أو حقيقتان ؟ ويعلم راجحهما من مرجوحهما . وسترى ذلك مبينا إن شاء اللّه في منزلتي « الفقر ، والتصوف » إذا انتهينا إليهما . إن ساعد اللّه ومنّ بفضله وتوفيقه . فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، وبه المستعان . وعليه التكلان . وما شاء كان . وما لم يشأ لم يكن . والمقصود : أن المراتب عندهم ثلاثة : مرتبة « التقوى » وهي مرتبة التعبد والتنسك . ومرتبة « التصوف » وهي مرتبة التّفتّي بكل خلق حسن . والخروج من كل خلق ذميم . ومرتبة « الفقر » وهي مرتبة التجرد ، وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين اللّه تعالى . فهذه مراتب طلاب الآخرة ، ومن عداهم : فمع القاعدين المتخلفين .
--> ( 1 ) من الفتوة . والفتوة - عندهم - التغلب والظهور بمظهر التحكم والقهر للغير وإخافته وإرهابه : أن يناقش الشيخ يسأل أو يعترض .